الأيام

الدين النصيحة

صحيفة الايام

@Alayam
العدد 10071 الجمعة 4 نوفمبر 2016 الموافق 4 صفر 1438

قد يعجب المرء حين يرى هذا الاحتفاء البالغ من النبي - صلى الله عليه وسلم - بأمر النصيحة، ولكن العجب يزول حين نحلل مضمون النصيحة، ونربطها بمفردات الدين والإيمان الأخرى - وخصوصا الحب في الله الذي هو أوثق عرى الإيمان - وبمفردات البلاغ، كالدعوة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والإصلاح، وغيرها. فعندها لا يبقى إلا أن نوقن حق اليقين أن الدين النصيحة وأن لا قوام للدين إلا بالنصيحة، ولو لم يرد نص (الدين النصيحة) لاستطاع العالم البحار في مقاصد الشريعة أن يستنبط معناه، بل لفظه.

عن معاوية بن عبد الكريم الثقفي، سمعت بكر بن عبدالله يقول يوم الجمعة: «لو قيل لي: خذ بيد خير أهل المسجد، لقلت: دلوني على أنصحهم لعامتهم، فإذا قيل: هذا، أخذت بيده، ولو قيل لي: خذ بيد شرهم، لقلت: دلوني على أغشهم لعامتهم».
يقول الحافظ ابن رجب: وقد أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - أن الدين النصيحة، فهذا يدل على أن النصيحة تشمل خصال الإسلام والإيمان والإحسان التي ذكرت في حديث جبريل عليه السلام، وسمى ذلك كله دينا (يعني: لما قال - صلى الله عليه وسلم -: هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم) فإن النصح لله يقتضي القيام بأداء واجباته على أكمل وجوهها، وهو مقام الإحسان، فلا يكمل النصح لله بدون ذلك، ولا يتأتى ذلك بدون كمال المحبة الواجبة والمستحبة (قلت: وهي الإيمان)، ويستلزم ذلك الاجتهاد في التقرب إليه بنوافل الطاعات على هذا الوجه وترك المحرمات والمكروهات على هذا الوجه أيضا (قلت: وهو الإسلام).

وفي مراسيل الحسن - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: أرأيتم لو كان لأحدكم عبدان، فكان أحدهما يطيعه إذا أمره، ويؤدى إليه إذا ائتمنه، وينصح له إذا غاب عنه، وكان الآخر يعصيه إذا أمره، ويخونه إذا ائتمنه، ويغشه إذا غاب عنه، كانا سواء؟ قالوا: لا. قال: فكذا أنتم عند الله - عز وجل -... وقال الفضيل بن عياض:«الحب أفضل من الخوف، ألا ترى إذا كان لك عبدان: أحدهما يحبك، والآخر يخافك، فالذي يحبك منهما ينصحك شاهدا كنت أو غائبا لحبه إياك، والذي يخافك عسى أن ينصحك إذا شهدت لما يخافك، ويغشك إذا غبت ولا ينصحك».

فلا ينصح لربه إلا مخلص، ولا ينصح لرسوله إلا من كان الرسول - صلى الله عليه وسلم - أحب إليه من نفسه ووالده وولده والناس أجمعين، فهو - آنئذ - مؤمن كامل الإيمان بشهادة النبي - صلى الله عليه وسلم - نفسه في قوله:«لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه وولده ووالده والناس أجمعين».
ولا ينصح لكتابه إلا متبع لهديه ظاهرا وباطنا، وهو داخل في جملة الموصوفين في قوله تعالى: الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته أولئك يؤمنون به ومن يكفر به فأولئك هم الخاسرون (البقرة: 121)، فشهد لهم - عز وجل - بالإيمان، وكفى بالله شهيدا.
والناصح لكتابه - عز وجل - حقيقته الأجلى - التي استحق بها وصف الناصح للكتاب الكريم - أنه يمسك الناس به، ويعبدهم لربهم به، وهؤلاء هم المصلحون كما وصفهم الله - عز وجل - في قوله: والذين يمسكون بالكتاب وأقاموا الصلاة إنا لا نضيع أجر المصلحين (الأعراف: 170).

ولا ينصح للمؤمنين - أئمة وعوام - إلا من أحب لأخيه ما يحب لنفسه، وهذا - أيضا - مشهود له بالإيمان في قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:«لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه».
فذلك قد شهد له الله وكتابه ورسوله بالإيمان صفة، وشهد له الناس بالإيمان صفة وتعيينا، إذ مثله بين الناس محمود السيرة، وافر الصحب والعشيرة، والمؤمنون شهداء الله في الأرض.
ولكن، أيكفي ما تقدم في تعليل حصر الدين في النصيحة؟ ربما تتضح الإجابة من خلال بيان علاقة النصيحة وموقعها من مفردات البلاغ، وهذا ما يأتي بعون الله وتوفيقه.
المؤمن من أتباع محمد - صلى الله عليه وسلم - داعية بطبعه، لقول الله عز وجل: قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين (يوسف: 108). والدعوة ما هي إلا صورة من صور النصيحة، وبغيرها لا يتخيل أن يكتسب الدين أتباعا، فقوام الدين الدعوة، والدعوة النصيحة، لذا فالدين النصيحة.

الدعوة من أهم روافد الدين. وقد يكسب الدين أتباعا ممن ولدوا مسلمين، وكثير من هؤلاء معرض للغفلة عن جوهر الدين، وغاية أوامره ونواهيه، فيقنع منه بظاهر من القول، وبعض فعل على مضض كطقس تقليدي يحضره التخشع ويغيب عن الخشوع، فينبت المسلم نباتا هزيلا أصفر شاحبا، قد رضي بمجرد التدين الشكلي، وما علم أن الله ينظر إلى القلوب والأعمال لا إلى الصور والأشكال، فلا ترى له الصلاة في خلق، ولا يرى القرآن له في سمت، فكيف يمكن أن يتحول هذا إلى شخص يعتقد الدين قلبا وقالبا، يقوم به وينام، ويوالي عليه ويعادي؟ وكيف يمكن أن يؤطر هذا الواقف على شاطئه إلى أن يخوض غماره، ويغوص ليظفر بدرره ولآلئه؟ لا يكون ذلك إلا إن وجد من يدعوه ويعظه ويعلمه ويأمره وينهاه، فإن هيأ الله له سببا إلى مثله وقدره عنده من السعداء اهتدى، وإلا فما أشقاه!

والأمر والنهي إن جمعا مع الدعوة في سياق تغاير ما بينهما وبينها، لأن الحمل على التأسيس أولى من الحمل على التأكيد إن كان كلاهما محتملا. ومن ذلك قوله تعالى: ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون (آل عمران: 104). فالدعوة إلى الخير هي الدعوة إلى أصله وهو الإسلام، والأمر بالمعروف أمر بأركانه وشعبه، والنهي عن المنكر نهي عن نواقضه ونواقصه.
وإن تأمل متأمل في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وجدهما أصلا من أصول الدين وركنا عليه قوام الشريعة أي شريعة كانت، بل هو من آكد هذه الأصول، لذلك لعنت أمة بتركه، يقول تعالى: لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داوود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون * كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون (المائدة: 78، 79).
واستحقت أمة أخرى أن تكون خير أمة أخرجت للناس لأنها مستمسكة بهذا الأصل، يقول تعالى ذكره وجل شأنه: كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ولو آمن أهل الكتاب لكان خيرا لهم منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون (آل عمران: 110).

وفي الآية الأخيرة لطيفة جليلة، إذ قد يقال: لم قدم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عن الإيمان بالله، وهما فرع عنه وشعبة منه؟ والجواب ظاهر بحول الله وقوته، إذ إن الكلام عن إيمان الأمة الذي هو مجموع إيمان أفرادها، وهذا المجموع يتعاظم كما وكيفا بالأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، فهما - وإن كانا فرعا عنه على المستوى الفردي- إلا أن الإيمان نتيجة لهما على مستوى الأمة، أعني أمة الدعوة بمعناها الواسع المشتمل على أمة الإجابة. ومن منظور آخر، فالإيمان - على المستوى الفردي - يزيد في قلب المؤمن الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر، لأن الأمر والنهي من أعظم الطاعات التي يمكن للمسلم أن يأتيها، والإيمان - كما هو معلوم في عقيدة أهل السنة والجماعة - يزيد بالطاعات وينقص بالمعاصي.
وقد عظم شأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في التوجيهات النبوية كما هي الحال في الوحي القرآني، وغلظ الوعيد بتركه تغليظا ربما لم يتأت على نسقه وعيد في شيء آخر. ومن ذلك قول النبي - صلى الله عليه وسلم -:«والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقابا من عنده، ثم لتدعنه فلا يستجيب لكم».

وأي فلاح يرجى لمن يدعو فلا يستجيب الله له؟!
روي عن الإمام أحمد أنه قيل له: إن عبد الوهاب الوراق ينكر كذا وكذا، فقال:«لا نزال بخير ما دام فينا من ينكر».
ومن نافلة القول أن حقيقة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هي عينها حقيقة النصيحة، وبه تكمل الولاية المطلوبة بين المؤمنين، ولذا قدم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على غيرهما من الطاعات في قوله تعالى: والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله إن الله عزيز حكيم (التوبة: 71).

ولا يكفي المؤمن لإقامة الدين قيامه على حدود الله في خاصة نفسه، مع إهماله لواجب النصح والأخذ على يد المخطئ بما يجب في حقه. ويوضح المثل الذي ضربه النبي - صلى الله عليه وسلم - هذا الأمر خير توضيح حيث يقول - صلى الله عليه وسلم -:«مثل القائم على حدود الله والمدهن فيها، كمثل قوم استهموا على سفينة في البحر، فأصاب بعضهم أعلاها، وأصاب بعضهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم، فقال الذين في أعلاها: لا ندعكم تصعدون فتؤذونا فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقا ولم نؤذ من فوقنا! فإن يتركوهم وما أرادوا هلكوا وهلكوا جميعا، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعا».
فكما أن بقاء السفينة في تدارك أصحاب العلية خطأ من كان في السفل، فكذلك بقاء الدين ما بقي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالأخذ بيد الظالم وإرشاد العاصي. فلا غرو أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هما الدين، وهما النصيحة، فكان الدين النصيحة.

وقال تعالى: والعصر * إن الإنسان لفي خسر * إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر (سورة العصر).
قال ابن القيم: (قال الشافعي -: لو فكر الناس كلهم في هذه السورة لكفتهم. وبيان ذلك: أن المراتب أربعة، وباستكمالها يحصل للشخص غاية كماله: إحداها: معرفة الحق، الثانية: عمله به، الثالثة: تعليمه من لا يحسنه، الرابعة: صبره على تعلمه، والعمل به وتعليمه. فذكر تعالى المراتب الأربعة في هذه السورة، وأقسم - عز وجل - في هذه السورة بالعصر أن كل أحد في خسر إلا الذين آمنوا: وهم الذين عرفوا الحق وصدقوا به فهذه مرتبة، وعملوا الصالحات: وهم الذين عملوا بما علموه من الحق فهذه مرتبة أخرى، وتواصوا بالحق: وصى به بعضهم بعضا تعليما وإرشادا، فهذه مرتبة ثالثة.

وتواصوا بالصبر: صبروا على الحق، ووصى بعضهم بعضا بالصبر عليه والثبات، فهذه مرتبة رابعة وهذا نهاية الكمال، فإن الكمال أن يكون الشخص كاملا في نفسه مكملا لغيره، وكماله بإصلاح قوتيه العلمية والعملية، فصلاح القوة العلمية بالإيمان، وصلاح القوة العملية بعمل الصالحات، وتكميلـه غيره بتعليمه إياه، وصبره عليه، وتوصيته بالصبر علــى العلم والعمل. فهذه السورة على اختصارها هي من أجمــع سور القرآن للخير بحذافيره، والحمد لله الذي جعل كتابــه كافيا عن كل ما سواه شافيا من كل داء هاديا إلى كل خير»).

كلمات مفتاحية
Show more